الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
88
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتصريف : أصله تعدد الصرف ، وهو النقل من جهة إلى أخرى . ومنه تصريف الرياح ، وهو هنا كناية عن التبيين بمختلف البيان ومتنوعه . وتقدم في قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ في سورة الأنعام [ 46 ] . وحذف مفعول صَرَّفْنا لأن الفعل نزل منزلة اللازم فلم يقدر له مفعول ، أي ، بينا البيان ، أي ليذّكّروا ببيانه . ويذّكّروا : أصله يتذكروا ، فأدغم التاء في الذال لتقارب مخرجيهما ، وقد تقدم في أول سورة يونس ، وهو من الذكر المضموم الذال الذي هو ضد النسيان . وضمير لِيَذَّكَّرُوا عائد إلى معلوم من المقام دل عليه قوله : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ [ الإسراء : 40 ] أي ليذكر الذين خوطبوا بالتوبيخ في قوله : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ [ الإسراء : 40 ] ، فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة ، أو من خطاب المشركين إلى خطاب المؤمنين . وقوله : وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً تعجب من حالهم . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف لِيَذَّكَّرُوا بسكون الذال وضم الكاف مخففة مضارع ذكر الذي مصدره الذّكر - بضم الذال - . وجملة وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً في موضع الحال ، وهو حال مقصود منه التعجيب من حال ضلالتهم . إذ كانوا يزدادون نفورا من كلام فصّل وبين لتذكيرهم . وشأن التفصيل أن يفيد الطمأنينة للمقصود . والنفور : هروب الوحشي والدابة بجزع وخشية من الأذى . واستعير هنا لإعراضهم تنزيلا لهم منزلة الدواب والأنعام . [ 42 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 42 ] قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ( 42 ) عود إلى إبطال تعدد الآلهة زيادة في استئصال عقائد المشركين من عروقها ، فالجملة استئناف ابتدائي بعد جملة وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً [ الإسراء : 39 ] . والمخاطب بالأمر بالقول هو النبي صلى اللّه عليه وسلّم لدمغهم بالحجة المقنعة بفساد قولهم . وللاهتمام بها افتتحت ب قُلْ تخصيصا لهذا بالتبليغ وإن كان جميع القرآن مأمورا بتبليغه . وجملة كما يقولون معترضة للتنبيه على أن تعدد الآلهة لا تحقق له وإنما هو